تاريخ النشر۱۴ كانون الثاني ۲۰۱۹ ساعة ۲۱:۴۸
رقم : 395170
العميد د. امين محمد حطيط

اميركا تحشد ل “مؤتمر بولندا": ما الخلفية وما المتوقع؟

تنا بيروت
بعد أيام من سياسة الكر والفر الأميركي التي أعقبت قرار ترامب بالانسحاب من سورية، السياسة التي هدفت لإنتاج بيئة من الغموض والارباك المعطل والمعرقل للأطراف المعادية لأميركا ومنعهم من اتخاذ التدابير التي تحفظ مصالحهم، قررت اميركا ايفاد وزير خارجيتها الى الشرق الأوسط، في مهمة ظاهرها طمأنة "الحلفاء" حول المرحلة التالية، والتركيز على العداء لإيران والبحث في سبل مواجهتها، مواجهة لا تكون بالضرورة عسكرية بل تكون على الأرجح من طبيعة سياسية واقتصادية او لنقل مواجهة من غير نار تلهب الجبهات.
اميركا تحشد ل “مؤتمر بولندا": ما الخلفية وما المتوقع؟

وفي جولته ركز بومبيو على دول محددة في المنطقة كان قد زار بعضها مسؤول الامن القومي الأميركي جون بولتون الذي كما رشح عنه، انه فشل في مهمته التي قيل انها رمت الى تحقيق 3 اهداف رئيسية، أولها طمأنة إسرائيل الى حجم الدعم الأميركي الذي لن يسمح بالمس بمكانتها الأمنية والعسكرية والثاني حماية الاكراد في سورية ومنع تركيا من المس بهم رغم تسليم اميركا بالدور المركزي لتركيا فيها، والثالث توجيه الاهتمام نحو إيران والتركيز على وجوب التكتل الإقليمي والدولي لمواجهتها.

 في نهاية جولته تبين لبولتون ان تركيا لم تقتنع و لم تلتزم بما يجعل الاكراد مطمئنين الى مستقبل مشروعهم الانفصالي برعاية أميركية وبالتالي فان ما تحقق لن يوقف  توجه الاكراد نحو الحكومة المركزية في دمشق طلبا للحماية من تركيا ، و كذلك رأى ان إسرائيل لم تكن في راحة من امرها رغم ما قيل لها لذا فإنها  اكدت على امتعاضها من الانسحاب الأميركي الذي سيجعلها وحيدة في الميدان تقوم بمهام  معسكر العدوان على سورية لان تركيا المتبقية الأخرى في الميدان ، تمارس الزئبقية في المواقف و التعددية في الوجوه بحيث لا يمكن الركون الى سياستها اهي مع حل لازمة سورية ام ضده ؟ او هل هي في معسكر العدوان كليا ام لها مشروعها الخاص فرديا ؟، اما في الهدف الأخير فيبدو ان من استقبلوه كانوا فئتين فئة المرحبين بالتكتل ضد إيران وفئة المترددين، وهنا كان على بومبيو ان يعالج الفشل بنفسه او عبر مبعوثه دافيد هيل.

و خلال جولته في المنطقة ، و بعيدا عن  الاسهال الكلامي و في المواقف التي اطلقها بومبيو في مصر و غيرها من الدول التي زارها كان واضحا ان اميركا تريد احتواء التداعيات التي خلفها قرارها بالانسحاب من سورية و هو القرار الذي ازعج بل اغضب كل من إسرائيل و  دول الخليج الى درجة مطالبتهم بالعودة عنه او تجميد تنفيذه، و ان اميركا تريد ان توحي بان تحريك جنودها من قواعدهم الى خارج سورية لا يعني انسحابا من المنطقة و تركها بيد الاخرين اكانوا حلفاء او خصوم ام  أعداء ، وأخيرا أراد بومبيو " التهويل بخطر ايران " و التحشيد لمواجهته لأنه يرى في ذلك خدمة لأهداف اميركا  الاستراتيجية و تامينا لمصالح إسرائيل .

 من اجل ذلك تصرف بومبيو و كانه موفد رئاسي أميركي للدعوة الى "مؤتمر بولندا" الذي سيعقد في وارسو في 13\2\2019  لتعلن فيه اميركا عن انشاء تكتل إقليمي بقيادتها لمواجهة ايران و حلفائها  من كيانات و تنظيمات و أحزاب عسكرية او شبه عسكرية او سياسية عاملة في المنطقة ضد المشروع الاستعماري الصهيواميركي ، و هنا يطرح السؤال حول مؤتمر العداء هذا و حول قدرته على مواجهة ايران والتنظيمات المقاومة التي في طليعتها حزب الله في لبنان ،  وما هي وسائله في ذلك ، ثم و هذا هو الأهم هل تستطيع اميركا ان تحقق اغراضها من  هذا المؤتمر و هل هناك اهداف حقيقية خلفه غير ما يعلن ؟

للإجابة على ما ذكر نقول : أولا بالنسبة لقدرات المؤتمر وإمكاناته العسكرية في مواجهة إيران، ان مجرد التدقيق بإمكانات المشاركين – الأعضاء ومقارنتها مع تلك التي بيد إيران نستطيع ان نصل الى استنتاج  سريع باستبعاد المواجهة العسكرية لأكثر من سبب وسبب ليس اقلها عدم جهوزية إسرائيل لحرب شاملة في المنطقة ، و عدم مصلحة اميركا في حرب الان و هي التي تعمل في عهد ترامب و بشدة بسياسة "الجدوى العملانية و الاقتصادية" من أي تدبير عسكري تتخذه ، و في حساب الجدوى تخرج اميركا بنتيجة قاطعة ان مصلحتها تكمن بالأحجام عن أي حرب ليس مع ايران فقط بل مع أي طرف لا يكون قد اعد العدة لهجوم جدي اكيد على اميركا الامر غير المتوفر مطلقا في الوضع  القائم . وإذا اخرجنا اميركا وإسرائيل من دائرة امكان شن الحرب على إيران فاننا لا نكون بحاجة لمناقشة قدرات الباقيين الذي يصح وصفهم بتكتل العجزة ذوي الإخفاق العسكري المهزوم.

ثانيا: لا نعتقد ان بوسع "مؤتمر بولندا" ان يواجه إيران بغير ما يواجهها أعضاؤه الان من وسائل مركبة من اعلام تحريضي وحصار اقتصادي وعقوبات مالية متعددة، لكن الوسائل المعمول بها الان لا تستدعي انعقاد مؤتمر لأجل نفادها وهي مطبقة ومنفذة الى الحد الاقصى الممكن من قبل القائمين بها. فاذا عطفنا هذه النتيجة على استبعاد العمل العسكري كما ذكرنا، نخلص الى القول بان مؤتمر بولندا ضد إيران سيكون من غير نتيجة او سيخرج المشاركون فيه خالي الوفاض فهل ان اميركا التي تعرف قطعا هذه النتيجة تقدم عل عمل تعلم نتيجته المعدومة هذه؟

ثالثا: لا نعتقد ان اميركا على قدر من غباء يدفعها الى عمل من غير نتيجة، اوانها تدعو الى مؤتمر تعلم انه من غير جدوى، لذلك فاننا نعتقد ان اميركا تستغل الموضوع الإيراني والعداء غير المبرر لدى البعض لإيران من اجل تحقيق اهداف غير الأهداف المعلنة وهي الأهداف الحقيقية للمؤتمر والتي نرى انها:
  1.  بلورة استراتيجية احتواء فشل المشاريع الغربية في الشرق الأوسط والتغطية عليها خاصة مشروع "صفقة القرن " الذي اعد لتصفية القضية الفلسطينية ومشروع “اسقاط سورية " الذي انطلق لإسقاطها واسقاط محور المقاومة ومن اجل زرع الامل في نفوس أدوات المشاريع هذه بان هناك خطط بديلة لاستكمال السعي الأميركي للسيطرة على المنطقة.
     انشاء صيغة تحالفية تمنع تفكك جبهة الأدوات الأميركية في المنطقة، تحالف يحتوي تداعيات الهزيمة الاستراتيجية الكبرى التي حلت بالتحالف الدولي الذي تقوده اميركا ضد سورية. حيث ان معسكر العدوان على سورية وصل الان الى الحقيقة المرة التي أجبرت اميركا على قرار الانسحاب من سورية وسيتبعها طبعا فرنسا وبريطانيا، وبما ان الهزيمة تفكك تحالف المهزومين، فان اميركا ترى وجوب إيجاد صيغة للإبقاء على هذا التحشد.
     انشاء تكتل إقليمي برعاية أميركية وعضوية إسرائيل مع دول عربية يمنح إسرائيل لأول مرة في تاريخها فرصة العضوية المعلنة والصريحة في تحالف مع دول عربية ويعترف بها مكونا أساسيا من مكونات المنطقة الى جانب الدول العربية، اعتراف يتجاهل القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني بالعودة وبإقامة دولته المستقلة.
     انشاء إطار اقليمي بقيادة اميركا تناط به ظاهرا مهمة مواجهة "إيران الشيعية "او الأعداد لمواجهتها بقوة عسكرية يشترك فيها الإسرائيلي مع "السني العربي" اعداد يكون بتمويل عربي مستدام يوفر لترامب الأموال الممكنة لتسليح هذا التحالف دون ان يكون هناك إلزام فعلي بالذهاب الى حرب مع إيران. انه قناة استنزاف الأموال من الخليج خدمة لأميركا.
اما إيران التي يتخدها المؤتمر هدفا له او وجهة لتفجير العداء بوجهها فإنها كما يبدو غير مشغولة البال بشكل جدي بالمؤتمر وبما يخرج عنه، ليقينها الذي نوافقها عليه وبكل تأكيد بان الفشل هو النتيجة الحتمية لهذا المؤتمر ولهذا التحالف، يقين يستند الى ظروف القوة الذاتية والموضوعية التحالفية ومسلح بالكم الكبير من الانتصارات التي حققتها محور المقاومة على صعيد المنطقة. و لهذا نراها تردد كما قال السيد حسن نصرالله في تقييمه لمؤتمر شرم الشيخ ضد حزب الله و المقاومة ، تردد الآية الكريمة " الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" دونما اكتراث بهذه العراضات الجوفاء مطمئنة الى ان "جوقة بولندا " الضفدعية لن تقوى على فعل شيء مؤثر ضدها او ضد مكونات محور المقاومة وها هي البداية من لبنان حيث فشل هيل كما يبدو في التحشيد المطلوب ضد حزب الله او عزله بعد ان لمس باليد ان الحزب بات في وضع لا محل للقلق فيه على سلامة المقاومة وقوتها ، و ان للمقاومة جمهور له من القوة و الباس فوق ما تظن اميركا.
       
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني