تاريخ النشر2010 25 December ساعة 15:43
رقم : 34832

الحرب على غزة وذكريات شريان الحياة

بقلم: عبدالله المجالي
مشاهد المحرقة التي نفذتها العصابات الصهيونية في غزة، والحصار المحكم حرك أحرار العالم، فعزموا على كسر الحصار الظالم على القطاع الذي شارك فيه العدو والشقيق.
القافلة قبل وصولها الى غزة
القافلة قبل وصولها الى غزة

وكالة أنباء التقریب (تنا)

صباح يوم ۲۷/۱۲/۲۰۰۸، وعلى حين غرة، قصفت الطائرات الصهيونية مواقع للشرطة الفلسطينية في قطاع غزة؛ تلك المواقع كانت مهيأة لتخريج مئات الأفراد من الشرطة، كان توقيت القصف مقصودا ليوقع أكبر قدر من الخسائر وهو ما حصل بالفعل؛ كانت حصيلة الهجوم مئات الشهداء، وفظائع لا يمكن للمرء نسيانها. 

كان الاحتلال يحاكي خطة الجيش الأمريكي في العراق "الصدمة والترويع"، كان الاحتلال يأمل أن ينهار سكان غزة، ليليها انهيار قادة غزة لطلب الصفح، والجلوس على الطاولة لبحث إيقاف الغارات الجنونية، ووقف وقوع المزيد من المشاهد الفظيعة، "الصدمة" أصابت حكومة الحرب الصهيونية، فلا فوضى حصلت في القطاع، ولا هروب لقادة غزة، ولا ركوع للقوات الغازية. ما حصل كان الصمود الأسطوري الذي أذهل العالم. 

خرج قادة غزة على وقع صواريخ القسام التي أمطرت مستوطنات العدو، ليضعوا شروطهم لوقف الحرب: لن تقف الصواريخ إلا إذا وقف العدوان، وانسحبت آلياته من القطاع، وفتحت المعابر، ورفع الحصار عن غزة.
بعد واحد وعشرين يوما، اضطر العدو الصهيوني لإيقاف الحرب والانسحاب من الأراضي الخالية التي اجتاحتها دباباته، لتقف صواريخ المقاومة عن إمطار مستوطنات العدو. 

وضعت الحرب أوزارها،
وخلّف العدو وراءه آلاما وتحديات؛ آلاف الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى والمعاقين، وآلاف المنازل المهدمة، وحصار محكم، وأنفاقا لإدخال الحياة، ومعنويات عالية جدا.
مشاهد المحرقة التي نفذتها العصابات الصهيونية في غزة، والحصار المحكم حرك أحرار العالم، فعزموا على كسر الحصار الظالم على القطاع الذي شارك فيه العدو والشقيق. 

تحركت القوافل يحدوها إيصال أكبر قدر ممكن من المساعدات لمواساة الأهل وبناء ما تهدم، وفتح طريق دائم للقطاع عبر معبر رفح.
كل القوافل التي تحركت استطاعت الوصول إلى القطاع باستثناء "أسطول الحرية"، وأوصلت مساعداتها، لكنها حتى هذه اللحظة لم تحقق هدفها الرئيس وهو كسر الحصار وفتح معبر رفح. 

آلاف الأشخاص من مِلل وجنسيات شتى شاركت في تلك القوافل، وملايين من الأشخاص في شتى أنحاء العالم يحلمون بالذهاب إلى قطاع غزة لو فتح معبر رفح بشكل دائم ودون معوقات، أو دشن خط بحري باتجاه القطاع، وربما هذا من الأسباب الرئيسية التي تجعل المحاصِرِين يصرون على إحكام حصارهم.
في العام الفائت تشرفت بالمشاركة في قافلة "شريان الحياة ۳" التي قادها النائب البريطاني السابق جورج غالوي، وبعد معاناة ومشقة ورحلة طويلة استمرت أكثر من أسبوعين، كتب الله لي وللمشاركين الوصول إلى قطاع غزة. 

في غزة تنفسنا الصعداء، مكثنا فيها ۳۶ ساعة فقط، وهي المدة التي سمح لنا بها الأشقاء المصريون.
في غزة رأينا أحياء كاملة سويت بالأرض، رأينا بيت الشهيد الدكتور نزار ريان كيف سوي بالأرض، رأينا قاعة النواب في مبنى المجلس التشريعي وسقفها السماء بعد
أن حرمتها الطائرات الصهوينية سقفها الاسمنتي، رأينا لافتات تدل على أنه كان هنا وزارة كذا ووزارة كذا. لكننا رأينا معادلة صعبة تتحقق في غزة "حياة مقرونة بالعزة والكرامة"، إصرار على الحياة وإصرار على العزة والكرامة. ثنائية لا يتنازل عنها غزي. 

تشرفت بمقابلة مقاتل من وحدة القنص في لواء الشمال، كان شابا في مقتبل العمر، مليئا بالحيوية، يعشق الحياة بعزة وكرامة. شارك على مدار ۱۲ يوما من الهجوم البري في عشرين عملية قنص ناجحة، أحيانا كقناص، وأحيانا مساعد قناص. رغم شوقه للشهادة، لكنه يصر على أن لا يستشهد قبل أن يثخن في جنود العدو، "دمنا غالي لازم نكبدهم حقه". 

تشرفت بلقاء أحد الشهداء الأحياء؛ مقاتل من الوحدة الخاصة، تلقى أوامر بالانطلاق لعملية استشهادية.
صلى وزميله الجمعة، وانطلقا الى المكان الموجود فيه السلاح والأحزمة الناسفة، تفاجآ بوجود حزام واحد، تنازع الصديقان الحزام الناسف، وبلهجته الغزية يقول: مسكت انا الحزام من طرف ومسكه رفيقي من الطرف الآخر. قلت له: "إرخي الحزام". وهو يقول: "لا انت ارخي"، وبقينا هكذا "انت ارخي، لأ انت ارخي"، وفي الأخير شديت الحزام منه ولبسته، ثم ذهبنا إلى البيت المفخخ. لكن إرادة الله شاءت أن لا يدخل جنود العدو البيت المفخخ، فعاد وزميله أحياء، لكنه أكد لي أن زميله ما زال غاضبا منه لأنه أخذ الحزام الناسف منه. والد هذا الشهيد الحي هو أحد قادة حماس. 

تشرفت بالسير في الأنفاق العسكرية المعدة للالتفاف والانقضاض والمناورة، وهي معجزة من معجزات مقاتلي القسام. في مثل هذا النفق تم أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليت وتهريبه إلى مخبئه المأمون كما قال لي مرافقي في جولة النفق.
تشرفت بالمرور والسلام على المرابطين على حدود غزة، وهم حكاية خاصة لا يتسع لها مقال ولا اثنين، بل هي حكاية تنشأة أمة على نشأ عليه أولها، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

https://taghribnews.com/vdcb5wbf.rhbafpukur.html
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني
أدخل الرمز